مير سيد علي الحائري الطهراني ( المفسر )

15

تفسير مقتنيات الدرر

مأوى كلّ شرّ وهي رفيق سوء كلَّما تجرّها إلى طاعة تجرّك إلى معصية ، وتخالفك في الطاعة وتطيع لك في المعصية وتطغى إذا شبعت وتتكبّر إذا استغنت وهي قرينة للشيطان وقيل في النفس : مثلها كمثل النعامة تأكل الكثير وإذا حمّلت عليها لا تطير ، وإذا قيل : أنت طائر ، قالت : أنا بعير وهذه رجلي ، وإذا حمّلت عليها شيئا ، قالت : أنا طائر وهذا جناحي . فكثرة المال تغرّ النفس . قال الحقّيّ في تفسيره : وعن عائشة أنّها قالت : قلت لرسول اللَّه ألا تستطعم اللَّه فيطعمك لما رأيت به من الجوع وشدّ الحجر من السغب ؟ قال صلى اللَّه عليه وآله : يا عائشة والَّذي نفسي بيده لو سألت ربّي أن يجري معي جبال الدنيا ذهبا لأجراها حيث شئت من الأرض ولكنّي اخترت جوع الدنيا على شبعها وفقر الدنيا على غنائها وحزن الدنيا على فرحها ، يا عائشة إنّ الدنيا لا تنبغي لمحمّد ولا لآل محمّد ، والدنيا والآخرة ضرّتان فمن يطلب الجمع بينهما فهو ممكور ومن يدّعي الجمع بينهما فهو مغرور ومن رام متابعة الهوى وترك البلوغ إلى الدرجات العلى فهو غريق في الغفلة ، الحديث . وبالجملة يا أيّها الإخوان اعلموا أنّ الَّذين مضوا قبلنا من الأمم قد عاشوا طويلا وجمعوا كثيرا فما أغنتهم أموالهم فتذكّروا موتهم ومصارعهم تحت التراب وتأمّلوا كيف تبدّدت أجزاؤهم وكيف أرملوا نساءهم وأيتموا أولادهم وضيّعوا أموالهم وهلكت بعدهم صغارهم وكبارهم وانقطعت آثارهم وديارهم ؟ فلم يرجع من كفر بنعمة اللَّه إلَّا إلى العذاب ، فمن كانت غفلته كغفلتهم فستصير إلى ما صاروا وإن عاش طويلا فإنّ اللَّه يمهل ولا يهمل قال اللَّه تعالى : « نُمَتِّعُهُمْ قَلِيلًا ثُمَّ نَضْطَرُّهُمْ إِلى عَذابٍ غَلِيظٍ » « 1 » وما التمتّع بها إلَّا قليل فالدنيا ساعة فاجعلها طاعة . [ سورة آلعمران ( 3 ) : آية 179 ] ما كانَ اللَّه ُ لِيَذَرَ الْمُؤْمِنِينَ عَلى ما أَنْتُمْ عَلَيْه ِ حَتَّى يَمِيزَ الْخَبِيثَ مِنَ الطَّيِّبِ وَما كانَ اللَّه ُ لِيُطْلِعَكُمْ عَلَى الْغَيْبِ وَلكِنَّ اللَّه َ يَجْتَبِي مِنْ رُسُلِه ِ مَنْ يَشاءُ فَآمِنُوا بِاللَّه ِ وَرُسُلِه ِ وَإِنْ تُؤْمِنُوا وَتَتَّقُوا فَلَكُمْ أَجْرٌ عَظِيمٌ ( 179 ) . النزول : قيل : إنّ المشركين قالوا لأبي طالب : إن كان محمّد صادقا فليخبرنا

--> ( 1 ) لقمان : 24 .